قورينا: مستعمرة يونانية من 631 قبل الميلاد فوق الجبل الأخضر
معبد بطول ٦٨ مترًا يضاهي البارثينون، ومدينة نُقلت قرية بأكملها من فوقها، وجبل يسقط عليه من المطر ضعفا ما يسقط على طرابلس — وسنة تأسيس تقولها المصادر التاريخية ولا يقولها نصّ اليونسكو المختصر.
- الموقع
- شحّات، شعبية الجبل الأخضر
- التصنيف
- تراث
- أفضل وقت
- سبتمبر
- مدة الزيارة
- يوم كامل
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

١٩٨٢ و٦٣١ قبل الميلاد: رقمان من مصدرين مختلفين
موقع قورينا الأثري أُدرج على قائمة التراث العالمي سنة ١٩٨٢ تحت الملفّ رقم ١٩٠، بالمعايير (ii) و(iii) و(vi)، ومساحة الملكية المسجَّلة ١٣١٫٦٧٥ هكتارًا. هذا هو الشقّ الذي تسنده اليونسكو مباشرةً.
أمّا سنة التأسيس فمن مصدر آخر: الوصف المختصر الذي تنشره اليونسكو يقول إنّ قورينا كانت «مستعمرة ليونانيّي ثيرا» وإحدى المدن الرئيسية في العالم الهلّيني، ثمّ رُمّنت وظلّت عاصمة عظيمة حتى زلزال سنة ٣٦٥ — ولا يذكر النصّ سنة تأسيس بعينها.
والسنة المتداولة — ٦٣١ قبل الميلاد — تأتي من التقاليد التاريخية اليونانية كما نقلها هيرودوت في «التواريخ»، ومن نقش يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد عُثر عليه في قورينا نفسها: يونانيون كريتيون طُردوا من إسبرطة واستقرّوا في جزيرة ثيرا، ثمّ أسّسوا قورينا سنة ٦٣١ قبل الميلاد بقيادة باتوس الأوّل، بإيعاز من عرّافة دلفي. المصدر هنا مدخل «قورينا» في ويكيبيديا الإنجليزية، وهو ينقل الروايتين وينبّه إلى أنّ تاريخية هذه السرديات غير مؤكّدة — خصوصًا فكرة أنّ ثيرا كانت «المدينة الأمّ» الوحيدة.
ولهذا التحفّظ سند مادّي في المصدر نفسه: الخزف المبكّر الذي عُثر عليه في الموقع لا يأتي من ثيرا وحدها بل من إسبرطة وساموس ورودس أيضًا. أي أنّ المدينة كانت منذ نشأتها خليطًا، لا فرعًا من جزيرة واحدة.
و٦٣١ تعطي المدينة، رغم التحفّظ، عمرًا يمكن قياسه: من ٦٣١ قبل الميلاد إلى الفتح الإسلامي للمغرب سنة ٦٤٢ ميلادية، أي ما يزيد على اثني عشر قرنًا من الاستيطان المتّصل. وبعد ذلك هُجر الموقع حتى أقامت إيطاليا قاعدة عسكرية فيه سنة ١٩١٣.
وبين الطرفين زلزالان لا زلزال واحد: زلزال سنة ٢٦٢ الذي دمّر جزءًا كبيرًا من المدينة، ثمّ زلزال ٢١ يوليو ٣٦٥. ويذكر المصدر شواهد مادّية على الثاني — هياكل عظمية سُحقت تحت أنقاض متساقطة، ونقش قبر يذكر الزلزال. وبعد الأوّل انتقل قلب المدينة المدني شمالًا من شارع باتوس إلى شارع الوادي، وامتلأت مساحات عامّة قديمة بمساكن ودكاكين — تحوّل عمراني يمكن أن تقرأه في الموقع اليوم إن عرفت أنّك تبحث عنه.
معبد زيوس: ٦٨٫٣ مترًا في ٣٠٫٤، وهو حجم البارثينون
معبد زيوس في قورينا طوله ٦٨٫٣ مترًا وعرضه ٣٠٫٤ مترًا، وهو ما يجعله في حجم معبد زيوس في أولمبيا وفي حجم البارثينون في أثينا تقريبًا. المقارنة ليست بلاغة بل قياس، ومصدرها مدخل «معبد زيوس في قورينا» في ويكيبيديا الإنجليزية.
والمعبد الأصلي دوري ثماني الأعمدة محيطي البناء، أُنشئ نحو ٥٠٠–٤٨٠ قبل الميلاد، ويقوم على قاعدة من ثلاث درجات، ويتّجه شرقًا. وصفّه الخارجي ثمانية أعمدة مخدَّدة في الواجهتين الأمامية والخلفية وسبعة عشر عمودًا على كلّ من الجانبين الطويلين، وكلّ عمود من تسع أسطوانات قطرها ١٫٩ متر.
وقصّة تدميره الأولى مذهلة في تفاصيلها الهندسية: تُظهر الأدلّة الأثرية أنّ ستّة وأربعين عمودًا على الأقلّ من الصفّ الخارجي قُوّضت بقطع القاعدة الحجرية من تحتها، ووضع دعامات خشبية مؤقّتة، ثمّ إشعال النار فيها حتى تسقط الأعمدة إلى الخارج. هذا تدمير مخطّط لا انهيار.
ثمّ أُعيد بناء الحجرة الداخلية (السيلا) لكنّ محاولة إعادة نصب الصفّ الخارجي هُجرت فورًا تقريبًا. وخُفّض مستوى أرض السيلا أكثر من متر وأُضيف درج نازل عند المدخل، وكُسيت جدرانها الداخلية بالرخام، واستُبدلت بالأعمدة الداخلية أعمدة ملتصقة — عشرة على كلّ جانب — من رخام السيبولينو بتيجان كورنثية من رخام بروكونيسوس.
وفي داخله كان تمثال عبادة ضخم: قاعدة عرشه وحدها نحو ثمانية أمتار عرضًا وعشرة أمتار طولًا، مع قاعدة منفصلة لمسند القدمين أمامه، وقد أُعيد استعمال أسطوانات أعمدة من الصفّ الخارجي دعائمَ لعرش التمثال. ثمّ جاء زلزال كريت سنة ٣٦٥ فأسقط المعبد، وبعده طهّر المسيحيون البناء فحطّموا الأعمدة والتماثيل الداخلية وأحرقوا الأنقاض. وفي ١٩٥٤ نفّذت مصلحة آثار برقة أعمال إزالة إضافية، وفي ١٩٥٧ أعاد الجيش البريطاني نصب عمود ونصف.
ستّة وأربعون عمودًا لم تسقط بزلزال: قُطع الحجر من تحتها، ووُضعت دعامات خشبية، ثمّ أُشعلت النار فيها.
شحّات اليوم: قرية نُقلت من فوق الموقع
المدينة الحديثة الملاصقة للموقع هي شحّات، وهي — بحسب مدخل «قورينا» — قرية نشأت فوق الموقع نفسه نتيجة الوجود الإيطالي، ثمّ نقلها ريتشارد غودتشايلد، مراقب الآثار بين ١٩٥٥ و١٩٦٦، من فوق الموقع وأعاد تأسيسها إلى الجنوب. أي أنّ الفصل بين المدينة والأثر هنا قرار إداري مؤرَّخ باسم شخص، لا حدّ طبيعي.
ولذلك القرار ذيل غير سعيد يذكره المصدر نفسه: القرية توسّعت منذ ذلك الحين فوق جزء كبير من المقبرة الجنوبية، وتعرّض القطاع الجنوبي للزحف مع نموّ شحّات، خصوصًا بعد سنة ٢٠١٣ حين جُرفت قبور كثيرة. وهي واقعة موثَّقة، ومن يزور الموقع سيرى حدوده تلامس البناء الحديث.
والمدينة المرجعية في الإقليم هي البيضاء: يبعد الموقع عنها ١٧٫١ كيلومترًا ونحو ١٤ دقيقة بالسيارة على شبكة الطرق. وعدد سكّان البيضاء ٢٥٠٬٠٠٠ نسمة حسب حزمة المعطيات الجغرافية المعتمدة في هذا الموقع — وهو الرقم نفسه الذي يورده مدخل «البيضاء» في ويكيبيديا الإنجليزية، الذي يجعلها رابعة مدن ليبيا بعد طرابلس وبنغازي ومصراتة.
وميناء قورينا القديم كان أبولونيا (مرسى سوسة اليوم) على بُعد نحو ستّة عشر كيلومترًا إلى الشمال. أي أنّ المدينة لم تكن ساحلية بل مطلّة على الساحل من فوق — وهو ترتيب متكرّر في المستعمرات اليونانية: المدينة على الحافّة، والميناء تحتها.
وأمّا شكل الموقع نفسه فيمشى على محورين رئيسيين كما يصفهما المصدر: «شارع باتوس» يمتدّ على الحافّة نحو الجنوب الشرقي مسافة كيلومتر تقريبًا، ويمرّ بالأغورا وبيت ياسون ماغنوس وعدد من المساكن الفخمة ورواق هرمس وهرقل والقيصريوم ومسرحين ومنطقة مقدّسة وخان، حتى يبلغ أبواب المدينة؛ و«شارع الوادي» يصعد وادي بو ترقية موازيًا له تقريبًا، تحفّه رواق مدرَّج وقناة أوغسطا، ويمرّ بحمّامات باريس إلى مسرح السوق والحيّ المركزي.
الجبل الأخضر: ٤٦٣ ملّيمترًا — ضعفا طرابلس
الجبل الأخضر أخضر لسبب قابل للقياس: بلغ متوسط الأمطار السنوية عند شحّات ٤٦٣ ملّيمترًا للسنوات العشر ٢٠١٥–٢٠٢٤. وللمقارنة عند طرابلس ٢٣٧ ملّيمترًا، وعند غدامس ٢٨٫٩ ملّيمترًا للفترة نفسها.
أي أنّ الجبل الأخضر يتلقّى نحو ضعفَي ما تتلقّاه العاصمة، وستّة عشر ضعف ما تتلقّاه غدامس. وهذا هو الفارق الذي جعل مستعمرة يونانية زراعية ممكنة هنا ولم تكن لتكون ممكنة على مئات الكيلومترات من الساحل الليبي غربًا.
والتباين بين السنوات كبير أيضًا ويستحقّ الذكر: أعلى سنة في العقد سجّلت ٦٥٧ ملّيمترًا وأدناها ٢١١ ملّيمترًا عند الإحداثيات نفسها. الجبل الأخضر ليس مناخًا مضمونًا بل مناخًا متقلّبًا حول متوسّط مرتفع نسبيًّا بمقاييس ليبيا.
ويؤكّد هذا الطابع مصدر مستقلّ: يذكر مدخل «البيضاء» في ويكيبيديا الإنجليزية أنّ للمدينة مناخًا متوسّطيًّا معتدلًا بمتوسط أمطار سنوي نحو ٥٤٠ ملّيمترًا، وأنّها تُلقَّب «مدينة الثلج» تمييزًا لها عن بقيّة المدن الليبية. رقمان مختلفان (٤٦٣ و٥٤٠) لموضعين متجاورين ومصدرين مختلفين — ونذكرهما معًا بدل أن نختار أحدهما ونخفي الآخر.
وللبيضاء نفسها ما يفسّر اللقب: يقع الجبل الأخضر على نحو ٢٤١ كيلومترًا جنوب جزيرة كريت، والارتفاع مضافًا إلى الموقع الشمالي يجعل تساقط الثلج ممكنًا وإن كان نادر التراكم — وهو ما لا يحدث في المناطق الساحلية المجاورة. مدينة ليبية تُلقَّب «مدينة الثلج» ليست مفارقة بل نتيجة ارتفاع وخطّ عرض.
وأمّا الجبل نفسه فيصفه المصدر بأنّه هضبة مساحتها ١٥٬٠٠٠ كيلومتر مربّع، بطول ٢٠٠ كيلومتر من الغرب حتى شرق درنة وبعرض ٧٥ كيلومترًا، وأعلى نقطة فيه نحو ٨٥٠ مترًا في منطقة الحمري، وتمتدّ الشواطئ على طول السلسلة نحو ٣٥٠ كيلومترًا. هذه أرقام إقليم، لا أرقام موقع أثري — ومن يخطّط لأيّام في الجبل الأخضر يحتاجها.
سبتمبر والارتفاع: ٥٦٩ مترًا و٢٦٫٧ درجة
سبتمبر فوق الجبل الأخضر معتدل بدرجة تفاجئ من يظنّ ليبيا صحراء واحدة: متوسط العظمى ٢٦٫٧ درجة مئوية ومتوسط الصغرى ١٧٫٥، وأحرّ يوم في سبتمبر ٢٠٢٥ لم يتجاوز ٣١٫٢ درجة.
والسبب ارتفاع لا خطّ عرض. يعطي النموذج الرقمي للارتفاعات ٥٦٩ مترًا عند تلك النقطة، بينما يصف مدخل «قورينا» الموقع بأنّه على حافّة الجبل الأخضر «على نحو ٦٠٠ متر فوق سطح البحر». الرقمان متقاربان ومن مصدرين مستقلّين، ونذكرهما معًا لأنّ اختلافهما الطفيف طبيعي بين نموذج رقمي ووصف منشور.
والفارق اليومي معقول للمشي: عند الثانية بعد الظهر ٢٦٫١ درجة، وعند السادسة صباحًا ١٧٫٨، وأبرد ليلة في الشهر ١٣٫٣. ومجموع أمطار سبتمبر ٥٫١ ملّيمترات فقط — الشهر جافّ رغم أنّ السنة رطبة، وهذا هو ما يجعله ملائمًا لموقع مكشوف بهذا الاتّساع.
والنهار يقصر بسرعة: الشروق ٠٦:٠٧ في أوّل سبتمبر و٠٦:٢٦ في آخره، والغروب ١٨:٥٧ ثمّ ١٨:١٨. تسع وخمسون دقيقة تُفقد من طول النهار خلال الشهر. وموقع بهذه المساحة ومحورين طول أحدهما كيلومتر لا يُقطع في ساعتين؛ خطّط ليوم كامل وابدأ مبكرًا.
وأمّا وضع الزيارة: لا نملك بيانًا رسميًّا مؤرَّخًا عن الدخول إلى الموقع، ولا نؤكّد فتحًا ولا إغلاقًا ولا نذكر تعريفة، والجهة التي تملك الجواب هي مصلحة الآثار الليبية. وقورينا مدرَجة على قائمة التراث العالمي المعرَّض للخطر منذ ١٤ يوليو ٢٠١٦، مع مواقع ليبيا الأربعة الأخرى، بسبب أضرار النزاع والتهديد بأضرار إضافية.



