لبدة الكبرى: مدينة إمبراطور، ومسرح يطل على البحر
المسرح الذي في الصورة يحمل تاريخه منقوشًا على حجره: نقش يؤرّخه بسنة ١–٢ ميلادية ويسمّي مَن دفع ثمنه. وهذه المادة تقول ما الذي أُدرج سنة ١٩٨٢، ولماذا هذه المدينة تحديدًا نالت ما نالت، وكم تبعد عن طرابلس — ومَن يملك جواب سؤال الزيارة.
- الموقع
- الخمس
- التصنيف
- تراث
- أفضل وقت
- ديسمبر
- مدة الزيارة
- يوم كامل
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

١٩٨٢: الإدراج، وأربعمئة هكتار من مدينة
موقع لبدة الكبرى الأثري أُدرج على قائمة التراث العالمي سنة ١٩٨٢ تحت الملفّ رقم ١٨٣، بالمعايير (i) و(ii) و(iii)؛ ويصف تقييم السلامة المساحة الحضرية للموقع بأنّها نحو ٤٠٠ هكتار تقدّم لمحة أصيلة عن مدينة إقليمية كبرى.
وأصل المدينة فينيقي: تقول اليونسكو إنّ لبدة أُسّست بوصفها ميناءً تجاريًّا مؤقّتًا على يد الفينيقيين في القرن السابع قبل الميلاد، ثمّ توسّعت في ظلّ الإمبراطورية الرومانية، وزيّنها الأباطرة السيفيريّون تزيينًا كبيرًا في القرن الثالث الميلادي حتى صارت من أبهى مدن شمال إفريقيا الرومانية.
وتضيف اليونسكو ملاحظة تفيد من زار مواقع رومانية أخرى: لبدة تقدّم صورة حيّة وكاملة عن الحياة في مدينة إقليمية رومانية في الفترتين المبكّرة والوسطى من الإمبراطورية، وفيها مبانٍ تنحرف انحرافًا كبيرًا في تنظيمها أو شكلها عمّا يُرى في مواقع رومانية أخرى. أي أنّها ليست نسخة إقليمية من نموذج مركزي، بل تحوير محلّي له.
وما يميّزها في نظر اليونسكو ليس عدد مبانيها بل هندستها: الميناء القديم عند مصبّ وادي لبدة، بحوضه الاصطناعي وسدّه وقناته المصمَّمة لضبط مجرى الوادي، «أحد أبرز أعمال التقنية الرومانية». وتحت المعيار (iii) رقم يستحقّ الحفظ: حوض الميناء الاصطناعي الذي تبلغ مساحته نحو ١٠٢٬٠٠٠ متر مربّع لا تزال حدوده مميَّزة.
والمعيار (i) يسمّي ما يستحقّ الوقت: المنتدى السيفيري، والبازيليكا، وقوس سيفيروس — وهي في عداد أرقى المعالم المعروفة من العالم الروماني، وقد تأثّرت تأثّرًا قويًّا بتقاليد إفريقية وشرقية. ونحته موصوف بدقّة: تعريف خطّي للأشكال، وحدّة في الحواف، وتحديد زاويّ للكتل.
ويضيف المعيار (iii) ما يجعل الموقع نافعًا للفهم لا للإعجاب فقط: إلى جانب الأقواس والأبواب والمنتدَيَين والمعابد والحمّامات والمسرح والحلبة والمدرَّج، بقيت شواهد الحياة اليومية — السوق بقوسه النذري ورواق دكاكينه، والمخازن والورش التي تشهد على نشاط تجاري وصناعي. مدينة تُقرأ بأسواقها لا بقصورها.
والمعيار (ii) يضيف بابًا لا يخطر ببال زائر: كثرة المنحوتات والتماثيل التي عُثر عليها في لبدة تُظهر بوضوح تأثيرات بونيقية ورومانية ويونانية وهلنستية، وتُرى صنعة بحر إيجة في الزخارف الرخامية البديعة على أعمدة البازيليكا السيفيرية وعلى قوس سيفيروس. مدينة إفريقية ينحت فيها حرفيّون من بحر آخر.
ويقول المعيار نفسه إنّ لبدة أُعيد اكتشافها في القرنين السابع عشر والثامن عشر على يد رحّالة منهم دوران ولومير، وإنّها أدّت دورًا كبيرًا في حركة العودة إلى العصور القديمة وفي بلورة الذائقة الكلاسيكية الجديدة. أي أنّ أثر هذا الموقع في تاريخ الفنّ الأوروبي سبق حفرياته المنظَّمة بقرنين.
سبتيميوس سيفيروس: ١١ أبريل ١٤٥، وحكم ١٩٣–٢١١
سبب ما نالته هذه المدينة اسم واحد: سبتيميوس سيفيروس، الذي وُلد فيها في ١١ أبريل ١٤٥ وحكم الإمبراطورية الرومانية بين ١٩٣ و٢١١، ومات في إيبوراكوم (يورك في إنجلترا اليوم) في ٤ فبراير ٢١١. المصدر مدخل «سبتيميوس سيفيروس» في ويكيبيديا الإنجليزية.
ولبدة لم تنتظر إمبراطورها لتدخل التاريخ الروماني: يذكر مدخل «لبدة الكبرى» في ويكيبيديا الإنجليزية أنّ المدينة بقيت مستقلّة إلى حدّ كبير بعد نحو ١١١ قبل الميلاد، وأنّها أرسلت في تلك السنة، إبّان حرب يوغرطة، مبعوثين إلى مجلس الشيوخ الروماني يطلبون صداقة روما وحلفها، وقدّمت لها العون ضدّ يوغرطة، فنالت سنة ١٠٧ قبل الميلاد نشر أربع كتائب وبعض المستوطنين من القنصل كوينتوس كايكيليوس ميتلوس النوميدي. ومسكوكاتها من تلك الحقبة تلخّص هويّتها: نقوش بونيقية وصور لهرقل وديونيسوس.
وهو أوّل إمبراطور إقليمي بالمعنى الكامل: لم يُولد خارج إيطاليا فحسب، بل وُلد في أسرة إقليمية غير إيطالية الأصل، من طبقة الفرسان الثرية في لبدة. ونشأ في المدينة متحدّثًا بالبونيقية لغةً أمّ، وتعلّم اللاتينية واليونانية وتحدّث بهما بلكنة خفيفة.
وما فعله بمدينته يعدّه المصدر بالاسم: فضّلها على كلّ مدن الأقاليم واستثمر في تطويرها — بتثبيت حدودها وتوسيع «الليمس الطرابلسي» نحو غرمة، وبتنشيط عمرانها حتى صارت ثالث أكبر ميناء في المتوسّط خلال القرن الثالث. ومن تغييراته: منتدى جديد فخم، وبازيليكا ضخمة، وإعادة بناء الأرصفة.
ومنحها امتيازًا قانونيًّا لا رمزيًّا: «الحقّ الإيطالي» (ius Italicum)، وصار أهلها يُعرَفون بـ«السبتيميّين» تكريمًا له. وحين زارها سنة ٢٠٣ أُقيم قوس نصر بمناسبة الزيارة — وهو القوس الذي كان أوّل ما كشفته حفريات ريناتو بارتوتشيني في ١٩٢٥–١٩٢٦، ونُشرت نتائجه الأولى في «أفريكا إيتاليانا ٤» سنة ١٩٣١.
وأمّا كيف نجا كلّ هذا فجواب اليونسكو مادّي وبسيط: غطاء من الرمل الذي حملته الرياح من الداخل هو ما حفظ لبدة الكبرى إلى هذا الحدّ وحماها حماية كاملة ثمانمئة سنة. ثمّ أعادت الحفريات الإيطالية في مطلع الثلاثينيات إظهار بقايا المدينة كلّها تقريبًا — بما فيها مقبرة من القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد عُثر عليها تحت المسرح الروماني.
«الحقّ الإيطالي» لمدينة على الساحل الإفريقي، وثالث أكبر ميناء في المتوسّط في القرن الثالث. هذا ما يفعله إمبراطور بمسقط رأسه.
المسرح: التاريخ منقوش على الحجر، ونقش رقمه ٣٢١
مسرح لبدة الكبرى هو أكثر ما في الموقع قابلية للتحقّق، لأنّه يحمل تاريخه منقوشًا: نقش على عتب من الحجر الجيري في المسرح، فوق باب يؤدّي من الأوركسترا إلى الممرّ الجانبي الغربي، يؤرّخ البناء بسنة ١–٢ ميلادية، ويحمل إهداءً إلى أوغسطس.
ومن دفع ثمنه مذكور بالاسم في الحجر نفسه: أنّوبعل روفوس — واسمه الكامل أنّوبعل تابابيوس روفوس — وقد حمل ألقاب «فلامن» و«سوفيط» و«حاكم المقدّسات». وتقول ترجمة النقش إنّه «تولّى البناء على نفقته الخاصّة وأهداه» أيضًا.
ومصدرنا هنا هو مجموعة نقوش طرابلس الرومانية (Inscriptions of Roman Tripolitania) في طبعتها الإلكترونية لسنة ٢٠٠٩، النقش رقم ٣٢١، وتحيل الصفحة نفسها إلى نقشين مماثلين من الموضع ذاته هما ٣٢٢ و٣٢٣. أي أنّ الإهداء مكرَّر ثلاث مرّات في المبنى الواحد.
وطريقة تأريخ النقش تستحقّ أن تُعرف لأنّها تشرح دقّته: التاريخ مستخرَج من ذكر السلطة التريبونية لأوغسطس في سنتها الرابعة والعشرين. لم يكتب النقش سنة بالتقويم كما نفعل، بل كتب سنة حكم — والمؤرّخون يحوّلونها. هذا هو الفرق بين تاريخ مستنتَج وتاريخ مخمَّن.
والاسم البونيقي في نقش لاتيني يهدي إلى إمبراطور روماني يلخّص المدينة كلّها: وجيه محلّي، بلقب دينيّ بونيقيّ الأصل (سوفيط)، يبني مسرحًا رومانيًّا من ماله ويهديه إلى أوغسطس، سنة ١ أو ٢ ميلادية — أي قبل مولد سبتيميوس سيفيروس بمئة وأربعة وأربعين عامًا. لبدة كانت تبني نفسها قبل أن يبنيها إمبراطورها.
الخمس: ١٢٢ كيلومترًا من طرابلس
الموقع يقع عند مدينة الخمس؛ ومن طرابلس إلى الخمس ١٢٢٫١ كيلومترًا ونحو ساعة و٢٣ دقيقة بالسيارة على شبكة الطرق.
وهذا يضع لبدة الكبرى ضمن نطاق رحلة يوم واحد من العاصمة التي يبلغ عدد سكّانها ١٬٢٩٣٬٠١٦ نسمة. وعلى الساحل نفسه، إلى الغرب من طرابلس، تقع صبراتة على بُعد ٧٢٫٢ كيلومترًا — أي أنّ «المدن الثلاث» القديمة ما زالت اليوم على مسافة ساعة أو ساعتين من بعضها.
والاسم المحلّي للمنطقة حاضر في وثائق اليونسكو نفسها: تقول إنّ المدينة كانت وقت الإدراج محميّة بسلطة مصلحة الآثار وبمجتمع «لبدة» المحلّي بموجب القانون رقم ٤٠ لسنة ١٩٦٨ الخاصّ بإدارة الآثار، الذي حلّ محلّه لاحقًا القانون رقم ٣ لسنة ١٩٩٤ ولائحته التنفيذية لسنة ١٩٩٥.
وتضيف أنّ إدارة الملكية كانت وقت الإدراج بيد مراقب منطقة/بلدية لبدة، وأنّ مصلحة الآثار أنشأت منذ ٢٠١٩ مكتبًا محلّيًّا يشرف على إدارة الملكية وحمايتها وعلى المتاحف التي تحوي مجموعة مهمّة من المواد المستخرَجة، منها فسيفساء ولوحات جدارية. هذه معلومة عملية لمن يسأل «من المسؤول اليوم».
ويسجّل الملفّ أنّ القانون ضمن حتى الآن حفظ كامل مساحة الملكية، وأنّ مناطقها الرئيسية لم تتعرّض للمساس ولا لآثار البناء غير القانوني، لكنّ زحف النبات عامل يحتاج مراقبة وتدخّلًا مستمرَّين، وأنّ منطقة عازلة تحدّ التوسّع العمراني في محيط الموقع رُسمت وهي قيد الإعداد.
ديسمبر: ١٩٫٧ درجة، و٤٤ ملّيمترًا من المطر
ديسمبر على هذا الساحل معتدل ورطب: متوسط العظمى ١٩٫٧ درجة مئوية ومتوسط الصغرى ١٢٫٤، وأحرّ يوم في ديسمبر ٢٠٢٥ لم يتجاوز ٢٢٫٩ درجة وأبردَ ليلة ٧٫٣.
وهذا الاعتدال هو ما يجعل ديسمبر شهر لبدة: موقع بهذه المساحة الحضرية لا يُمشى في يوليو، ويُمشى مرتاحًا عند عشرين درجة. عند الثانية بعد الظهر ١٩٫٣ درجة، وعند السادسة صباحًا ١٢٫٩ — سبع درجات فقط بين الطرفين، وهو مدى ساحلي ضيّق يعني ملابس واحدة ليوم كامل.
لكنّ للمطر حسابًا: بلغ مجموع ديسمبر ٢٠٢٥ عند تلك الإحداثيات ٤٣٫٨ ملّيمترًا — أعلى مجموع شهري في الحزمة الليبية كلّها. أي أنّ احتمال يوم ممطر هنا حقيقي، وأنّ حجر الموقع يصير زلقًا. خطّط ليوم بديل.
والنهار قصير: الشروق ٠٧:٤٧ في أوّل ديسمبر و٠٨:٠٤ في آخره، والغروب ١٧:٥٦ ثمّ ١٨:٠٧. أي نحو عشر ساعات من الضوء، ومساحة تحتاج يومًا كاملًا — ابدأ عند أوّل الضوء ولا تؤجّل الميناء القديم إلى آخر النهار.
ولبدة الكبرى مدرَجة على قائمة التراث العالمي المعرَّض للخطر منذ ١٤ يوليو ٢٠١٦، مع مواقع ليبيا الخمسة، بسبب الأضرار الناجمة عن النزاع والتهديد بأضرار إضافية. ولا نملك بيانًا رسميًّا مؤرَّخًا عن وضع الدخول إلى الموقع، فلا نؤكّد فتحًا ولا إغلاقًا ولا نذكر تعريفة ولا ساعات. الجهة التي تملك هذا الجواب هي مصلحة الآثار الليبية، ومكتبها المحلّي المنشأ منذ ٢٠١٩ هو أقرب عنوان لمن يريد أن يسأل.



